Language:

تأثير اختيار السياسات المحاسبية على الوضع المالي ونتائج عمليات الشركة

# تأثير اختيار السياسات المحاسبية على الوضع المالي ونتائج عمليات الشركة ## مقدمة

عندما ننظر إلى القوائم المالية لأي شركة، قد نظن للوهلة الأولى أنها مجرد أرقام جامدة تعكس واقعًا محاسبيًا ثابتًا لا يقبل الجدل. لكنني خلال اثني عشر عامًا قضيتها في شركة "جياشي" للضرائب والمحاسبة، وأربعة عشر عامًا إضافية في خدمة تسجيل الشركات الأجنبية، أدركت شيئًا مهمًا جدًا: هذه الأرقام ليست مجرد انعكاس محايد للواقع، بل هي نتاج سلسلة من الخيارات والسياسات المحاسبية التي يقررها الإدارة المالية للشركة. وقد يكون هذا التحول في الفهم هو الفارق الجوهري بين محاسب مبتدئ ينظر إلى الأرقام كحقائق مطلقة، وبين مستشار مالي محنك يرى في هذه الأرقام خيارات استراتيجية قابلة للتفاوض.

تأثير اختيار السياسات المحاسبية على الوضع المالي ونتائج عمليات الشركة

تخيل معي للحظة أن لدينا شركتين متطابقتين تمامًا في كل شيء: نفس حجم المبيعات، نفس التكاليف، نفس الأصول، وحتى نفس الفريق الإداري. لكن عندما تخرج قوائمهما المالية، تجد أن إحداهما تحقق أرباحًا كبيرة بينما تبدو الأخرى شبه متعثرة. كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ الإجابة تكمن في السياسات المحاسبية المتبعة لدى كل منهما. فعلى سبيل المثال، طريقة تقييم المخزون، وسياسة الإهلاك، ومعالجة الإيرادات، وتكوين المخصصات، كلها عوامل تمارس تأثيرًا كبيرًا على شكل القوائم المالية النهائية.

في هذه المقالة، سأشارك معكم خبرتي الطويلة في هذا المجال، مستندًا إلى حالات واقعية شاهدتها بنفسي خلال مسيرتي المهنية. كما سأناقش خمسة إلى ثمانية جوانب مختلفة من تأثير هذه السياسات، مع تقديم أمثلة عملية وأدلة من الواقع العملي. فالمستثمر الذكي لا يكتفي بالنظر إلى الأرقام النهائية، بل يتعمق في فهم السياسات المحاسبية التي شكلت هذه الأرقام، لأن هذا الفهم قد يكون مفتاحه لاتخاذ قرارات استثمارية أكثر حكمة. الأمر لا يتعلق فقط بالامتثال للمعايير المحاسبية، بل بالقدرة على قراءة ما بين السطور.

تقييم المخزون

لنبدأ بموضوع قريب إلى قلبي، لأنني رأيت تأثيراته المباشرة على عملاء كثر في منطقة الخليج تحديدًا. طريقة تقييم المخزون هي أحد السياسات المحاسبية الأساسية التي تحدد كيف تقوم الشركة بتكلفة مخزونها عند البيع. أشهر طريقتين هما الوارد أولاً صادر أولاً (FIFO) والوارد أخيراً صادر أولاً (LIFO). في بيئة تضخمية، ينتج عن استخدام FIFO تكلفة بضاعة مباعة أقل، وبالتالي أرباح أعلى، بينما ينتج عن LIFO تكلفة أعلى وأرباح أقل. هذه المشكلة حادة جدًا في اقتصادات تتسم بتقلبات كبيرة في الأسعار كما هو الحال في بعض أسواق المنطقة.

أتذكر هنا حالة أحد عملائنا في دبي، ويمتلك سلسلة متاجر إلكترونيات. هذا العميل كان يستخدم طريقة FIFO لسنوات، لكن عندما بدأت أسعار المكونات الإلكترونية ترتفع بشكل حاد، لاحظت أن الأرباح الظاهرية في قوائمه ارتفعت بشكل مضلل. اشتكى لي بأنه حتى لو كانت أرقام المحاسبة تشير إلى أرباح قياسية، إلا أن النقدية الفعلية في البنك لا تدعم هذا التوسع. بعد تحليل شامل، اكتشفنا أنه كان يدفع ضرائب أعلى على أرباح ورقية فقط، بينما استهلك المخزون الموجود فعليًا من المستودعات.

هذه التجربة جعلتني أدرك أن اختيار طريقة تقييم المخزون ليس مجرد قرار فني، بل هو قرار استراتيجي له أبعاد ضريبية وتمويلية عميقة. فعندما تظهر القوائم المالية أرباحًا أعلى، قد يبدو ذلك جيدًا من ناحية جذب المستثمرين، لكنه يعني أيضًا دفع ضرائب أعلى وتوزيعات أرباح متوقعة أكبر من المساهمين. وفي المقابل، اختيار طريقة تقلل الأرباح الظاهرية قد يحمي الشركة من الاعتراضات الضريبية، لكنه قد يجعل الشركة تبدو أقل جاذبية للممولين والمستثمرين المحتملين. كل هذا يؤكد على أن القرار النهائي يجب أن يوازن بين كل هذه الاعتبارات المتنافسة.

الجدير بالذكر أن المعايير الدولية للتقارير المالية (IFRS) لم تعد تسمح باستخدام LIFO، مما أحدث موجة تغيير كبير في سياسات العديد من الشركات خلال العقد الماضي. لذلك، أنصح المستثمر دائمًا بالتحقق من الطريقة المتبعة بالفعل، وكيف أثرت على الأرباح المعلنة بالمقارنة مع السنوات السابقة. وأقصد بالطبع القيمة المادية لهذا الأثر، وليس فقط تعديلات شكلية في الملاحظات الهامشية على القوائم المالية. فحجم هذا الأثر يمكن أن يكون كبيرًا جدًا، وقد يصل في بعض القطاعات إلى أكثر من ثلث صافي الأرباح.

الإهلاك والاستنفاد

الإهلاك هو مجال آخر أجد فيه الكثير من المرونة في السياسات المحاسبية. فالشركات تختار بين طريقة القسط الثابت، أو طريقة القسط المتناقص، أو طرق أخرى مثل وحدات الإنتاج. كما أنها تحدد العمر الإنتاجي للأصول والقيمة المتبقية المقدرة. كل هذه الخيارات تؤدي إلى أنماط مختلفة من تحميل التكاليف على فترات زمنية مختلفة. مثلاً، استخدام طريقة القسط المتناقص يؤدي إلى تحميل نفقات أعلى في السنوات الأولى من عمر الأصل، مما يقلل الأرباح المبكرة ويؤجل دفع الضرائب، بينما تزداد الأرباح الظاهرية في الفترات اللاحقة عندما يقل الإهلاك.

خلال عملي مع شركات صناعية في المنطقة الصناعية بالجبيل، لاحظت أن بعضهم عمد إلى تمديد العمر الإنتاجي للآلات إلى أقصى الحدود المسموح بها، مما جعل أرباحهم تبدو أعلى. ومع ذلك، فإن هذا النهج له مخاطره، لأنه إذا بالغت في تقدير العمر الإنتاجي، فقد تجد نفسك مع مرور الوقت تمتلك آلات انخفضت قيمتها الحقيقية كثيرًا مقارنة بقيمتها الدفترية، مما يسبب مشاكل كبيرة عند بيعها أو استبدالها. وفي الحقيقة، رأيت بعض الشركات الصغيرة واجهت أزمات تمويلية بعد اكتشاف أن قيمة أصولها الحقيقية لا تتوافق مع ما هو ظاهر في الميزانية العمومية.

الملاحظة التي أريد أن أؤكد عليها هنا بعد سنوات طويلة من الخبرة هي أن المستثمرين يعتمدون غالبًا على مقياس EBITDA كمؤشر على الأداء التشغيلي، متجاهلين حقيقة أن هذا المقياس لا يلتقط العديد من الفروقات الناتجة عن سياسات الإهلاك المختلفة. ولذلك، فإن المقارنة بين شركتين بناءً على EBITDA فقط قد تكون مضللة إذا كانت سياسات الإهلاك لديهما مختلفة جذريًا. لذا أنصح دائمًا بالنظر إلى ماكينة الأرباح نفسها، وليس فقط إلى النتيجة النهائية، وهذا يعني الحفر في التفاصيل المتعلقة بالإهلاك والاستهلاك والاطلاع على عمر الأصول الفعلي وحالتها في المحتوى والسجلات الداخلية للمجمع الصناعي الخاص بالمنشأة.

مثال آخر أريد أن أذكره هنا يتعلق بشركة لدينا لها حصة في رأسمالها. هذه الشركة امتلكت مباني إدارية وفندقية واعتدت استخدام عمر إنتاجي يصل إلى 40 سنة لهذه الهياكل، وهذا أعلى من المعتاد في السوق. كان هذا الخيار مدروس جيدًا لأنه يناسب طبيعة المشاريع الاستثمارية وهي التي تميل لتفجير مصادر السيولة النقدية المتاحة بأرباح تتأخر في الظهور لكل سنوات عديدة بعد إتمام الإنشاءات. لكن المساهمين الجدد في الشركة، وهم من المستثمرين الأفراد، لاحظوا في القوائم المالية أن عمر الأصول أطول من المتوسط الصناعي بشكل مبالغ فيه، وتجمع لديهم انطباع بأن هذا يخفي تآكلًا اقتصاديًا حقيقيًا. هذا المثال يعكس كيف أن السياسات المحاسبية، حتى لو كانت متوافقة مع المعايير، يمكنها أن تخلق انطباعات سلبية أو إيجابية لدى مستثمرين مختلفين ومتنوعي الاهتمامات والآفاق الزمنية المتفاوتة.

الاعتراف بالإيرادات

في أي مفاهيم المحاسبة المالية، مسألة "متى نعترف بالإيراد؟" تعتبر من أكثر النقاط التي تثير الخلاف والجدل بين المحاسبين ومدققي الحسابات. الخيارات هنا تتضمن الاعتراف بالإيراد عند الشحن، أو عند التسليم، أو على أساس نسبة الإنجاز في العقود طويلة الأجل، أو عند الانتهاء التام لجميع الالتزامات التعاقدية. هذا الاختيار يمارس تأثيرًا مباشرًا وملحوظًا على توقيت ظهور الأرباح في القوائم المالية، وكذلك على حجم الإيرادات الظاهرة في فترة مالية معينة. وهذه المسألة تحديدًا كانت مصدر توتر دائم بين المديرين الماليين لبعض الشركات، الذين يميلون إلى تحسين الصورة المالية، وبين المدققين الخارجيين الذين يصرون على التطبيق الحرفي للمعايير.

أتذكر حالة جيدة التقطتها من أحد عملائنا في السعودية، وهو مقاول كبير يعمل في مشاريع البنية التحتية. هذا العميل كان يعتمد طريقة نسبة الإنجاز للاعتراف بالإيرادات في عقوده الضخمة، وهي طريقة تسمح له بتسجيل جزء من الأرباح المتوقعة خلال فترات التنفيذ المتعددة السنوات بدلاً من انتظار اكتمال العقد كاملًا. في الواقع، كانت هذه الطريقة مدعومة من المعايير المحاسبية وقد استخدمها هذا السيد لتحسين مؤشرات الشركة المالية، وبالتالي تمكن من الحصول على تمويل مصرفي أكبر؛ إذ أظهرت القوائم المالية إيرادات وأرباحًا تصاعدية منذ السنة الأولى من كل مشروع. لكن المشكلة الوحيدة كانت في تقدير نسبة الإنجاز نفسها التي قد تعتمد على افتراضات ذاتية قد يكون من الإنصاف القول أنها متفائلة أحيانًا.

بعد سنوات من العمل مع هذا العميل، لاحظت أن بعض العقود التي كانت تبدو في القوائم المالية وكأنها تحقق أرباحًا كبيرة، كانت في الواقع على وشك أن تتحول إلى خسائر فادحة بسبب تجاوز التكاليف الفعلية عن التقديرات الأولية بكثير. وعندما اتضحت الصورة الحقيقية، اضطرت الشركة إلى إجراء تخفيضات هائلة في أرقام الإيرادات والأرباح التي تم الاعتراف بها في السنوات السابقة، مما أحدث أزمة ثقة مع البنك الممول واضطرت للموافقة على شروط تمويلية أقسى. هنا أود أن أقول لكم: المستثمر الذكي عندما يرى الإيرادات المسجلة بطريقة نسبة الإنجاز لا يكتفي بذلك، بل يقوم بتحليل العقود الكبرى ويسأل عن كيفية تحديد مديري المشروع لنسب الإنجاز ويقارنها بمؤشرات ومستحقات خارجية مستقلة.

إن ملاحظة أخرى مهمة تتعلق بالاعتراف بالإيراد في قطاع الخدمات والاشتراكات، حيث تمتد العلاقة التعاقدية مع العميل على عدة فترات مالية. هناك شركات تتبع سياسة الاعتراف بالإيراد على أساس سنوي متسق، في حين أن شركات أخرى تميل إلى تحصيل قيمة العقود مقدماً أو بأقساط أمامية وتوزيع الأرباح بشكل غير متسق على الفترات المالية. هذه الاختلافات تؤثر في ترتيب القوائم المالية للشركات وبالتالي على نسب السيولة والمطلوبات، وقد يكون لها دلالات هامة لتقييم صافي التدفقات النقدية والربحية الحقيقية. من المؤسف أن كثيراً من المستثمرين يتمسكون بالبحث عن أرقام صافي الأرباح في صدر الميزانية وفي الجزء السفلي من قائمة الدخل فقط، دون أن يسألوا أنفسهم السؤال البسيط: ما المدى الزمني وطبيعة البنود التي تحقق هذه الأرقام؟

المخصصات والاحتياطيات

أما موضوع المخصصات والاحتياطيات فهو أرض خصبة أخرى لسياسات محاسبية متباينة؛ فكيفية تكوين مخصصات الديون المشكوك في تحصيلها، وتحديد نسبتها من الذمم المدينة، وكيفية معالجة المخصصات المستقبلية للالتزامات البيئية أو إعادة التأهيل، وتكوين مخصصات للمطالبات القانونية والدعاوى القضائية، جميعها خيارات يمكنها تغيير الأرباح بشكل كبير في أي سنة مالية. بعض الشركات تكون متحفظة جداً في سياساتها، في حين أن أخرى قد تميل إلى تقليل المخصصات للأمل في تحقيق نتائج أفضل. بالطبع، هناك معايير محاسبية تحكم هذه العمليات، لكن التقدير الشخصي ومدى تطبيق مبدأ التحفظ يتفاوت من كيان إلى آخر، مما يفتح الباب أمام نتائج مالية مختلفة بشكل ملحوظ.

على مدى مسيرتي المهنية، تتبعت هذه المسألة بعناية خاصة في قطاع البنوك والمؤسسات المالية، لأن المخصصات فيها غالبًا ما تحدد الفرق الواضح بين بنك يعلن أرباحًا جيدة وبنك آخر يضطر للاعتراف بخسائر ضخمة. كنا نشهد بنوكًا تقلل من مخصصات الديون المتعثرة في سنوات الازدهار، مما يعظم الأرباح ويحسن نسب كفاية رأس المال، لكن عند أول أزمة أو تراجع في الاقتصاد، تضطر لتكوين مخصصات ضخمة تضرب الأرباح في عام واحد بشدة. أتذكر أنه خلال الأزمة المالية العالمية 2008-2009، كان التباين في سياسات المخصصات بين البنوك في المنطقة العربية كبيرا جدًا، بعضها حافظ على احتياطياته، بينما تعثر البعض الآخر مما أدى إلى عمليات دمج قسري من قبل السلطات الرقابية.

لأقدم لكم نصيحة عملية من تجربتي المتواضعة، فإنني أرى أن المستثمر الذي يريد بناء محفظة قوية لا ينبغي أن يعتمد على تقارير المحللين المالية فقط، بل يجب عليه أن يسأل أسئلة "محرجة" حول معايير تكوين المخصصات. على سبيل المثال: هل غطت المخصصات الديون المعدومة خلال السنوات الخمس الماضية؟ كيف تقارن هذه المخصصات بنظيراتها في الشركات الأخرى في نفس القطاع؟ ما هي نسبة الذمم المدينة التجارية أو التمويلية التي تجاوزت 120 يومًا ولم يتم تكوين مخصصات مقابلة لها بسبب ظروف معينة؟ هذه الأسئلة تساهم في تقييم أكثر واقعية، خصوصًا إذا كنت مهتمًا بمثل هذه التحليلات الدقيقة في شؤون السوق المتخصصة.

أود هنا أيضًا أن أشير إلى أن ممارسة "تجنيب الأرباح" في السنوات الجيدة بهدف تكوين احتياطيات سرية ثم استخدامها في سنوات ضعف النتائج ليست من الممارسات المقبولة بمقتضى المعايير المحاسبية الحديثة، لكنها وللأسف لازالت تحدث في بعض الشركات المغلقة والعائلية. المستثمر يحتاج إلى توخي الحذر الشديد مع هذه الشركات والتدقيق في التغيرات غير المبررة في المخصصات والاحتياطيات بين سنة وأخرى، لأن هذه الإشارات قد تعني أن الإدارة تلجأ إلى "إدارة الأرباح" لتجميل صورة الشركة لدى أصحاب المصلحة والأطراف الخارجية.

طريقة تقييم الأصول

طريقة تقييم الأصول هي سياسة محاسبية أساسية تلعب الدور المركزي في تحديد أرقام الميزانية العمومية. هل تعتمد الشركة على التكلفة التاريخية، أم تستخدم إعادة التقييم الدورية؟ في بيئة تشهد تضخمًا وارتفاعًا في أسعار الأصول العقارية، على سبيل المثال، سنجد أن إعادة التقييم تجعل حقوق الملكية أكبر وأقوى بكثير مما لو تم الإبقاء على التكلفة التاريخية. على العكس من ذلك، إذا انخفضت القيم السوقية للأصول، قد تكشف إعادة التقييم عن خسائر هائلة لم تظهر عند استخدام طريقة التكلفة التاريخية المستمرة.

في تجربة عملية مع مجموعة شركات قابضة، كان لدينا أصول عقارية تم حيازتها منذ الثمانينات والتسعينات، وتظهر في الميزانية بتكاليفها التاريخية رغم أن الأسعار السوقية تضاعفت خمسة أضعاف أو أكثر منذ ذلك الوقت. عند التفكير في إعادة التقييم، لاحظنا أن القيمة الدفترية الصافية للأصول سترتفع بشكل هائل، مما يؤدي إلى تعزيز قاعدة حقوق الملكية بشكل ملموس وبالتالي يخفض نسبة الرفع المالي ويجعل الشركة أقوى قرب المؤسسات المالية ووكالات التصنيف الائتماني. ومع ذلك، واجهنا اعتراضات من بعض مدققي الحسابات بسبب أن الأخطاء المترتبة على إعادة التقييم المستقبلية قد تؤول إلى نتائج مالية لا يمكن التنبؤ بها، وخصوصاً إذا تغيرت ظروف السوق العقاري وانخفضت تلك القيم.

أما بالنسبة للمستثمرين، فإن طريقة تقييم الأصول تمارس تأثيراً مباشراً على مقياس فحص يُعرف باسم صافي قيمة الأصول (NAV)، وهو أساسي في تقييم الشركات العقارية والاستثمارية. إذا كانت الشركة تستخدم التكلفة التاريخية، فإن مؤشر الـ NAV قد يكون أقل كثيرًا من السعر السوقي، مما يشير إلى أن السهم مقوم بأقل من قيمته الحقيقية في السوق (إلا إذا كانت هنالك عوامل أخرى). لذلك، يستطيع المستثمر الذكي الذي يكتشف مثل هذا الوضع أن يقتنص فرصة استثمارية ممتازة قبل أن يدرك السوق بشكل عام مدى وجود هذا الفارق المهم بين القيمة الدفترية والقيمة الاقتصادية الحقيقية. لكنه في المقابل يتحمل مخاطر كبيرة أيضاً إذا جرت إعادة التقييم وظهرت قيمة أقل بكثير، أو إذا باعت الشركة الأصول بأسعار أقل من تلك المسجلة في الدفاتر باعتبارات ضريبية متنوعة.

من الناحية الضريبية، أتذكر أن إعادة تقييم الأصول لها آثار مباشرة على الوعاء الضريبي ومبالغ الإهلاك الضريبية، وهذا موضوع معقد ضمن ممارسات العمل اليومي لدينا في مكتب المحاسبة والضرائب. فقد أسهمت في خلافات كثيرة مع الهيئات الضريبية في المنطقة حول مبالغ مخصصات الإهلاك المتبعة بعد إعادة التقييم، إذ يرى البعض أن إعادة التقييم يؤدي إلى زيادة تحميل الأرباح بمصروفات إهلاك أعلى بشكل مفرط. هذه التفاعلات التشريعية بين المحاسبة والضرائب تعطي فهمًا جديدا لأهمية اختيار سياسات محاسبية منسجمة أو منفصلة بين الكتاب التجاري والإقرار الضريبي، حسب متطلبات القانون المحلي الساري في كل بلد.

عقود الإيجار والمطلوبات

قبل سنوات قليلة، شهد العالم المحاسبي تحولًا جذريًا في طريقة معالجة عقود الإيجار بصدور المعيار الدولي الجديد IFRS 16 الذي ألغى التمييز التقليدي بين عقود الإيجار التشغيلي وعقود الإيجار التمويلي بالنسبة للمستأجرين. هذا التغيير الضخم أدى إلى ظهور أصول حقوق الاستخدام والتزامات إيجار مماثلة في الميزانية العمومية لشركات كثيرة كانت تخفي هذه الالتزامات تمامًا في الملاحظات فقط. المستثمرون كانوا يستخدمون في بعض الأحيان مؤشرات "خارج الميزانية العمومية" لإظهار الالتزامات أقل مما هي عليه في الحقيقة، لكن مع المعيار الجديد لم يعد هناك مكان لهذا النوع من التمويه الرسمي.

في فترة تطبيق هذا المعيار، عملت على إعداد دراسات وتقييمات لأثر التحول لكثير من العملاء. هناك شركات طيران وفنادق وسلاسل بيع بالتجزئة ومكاتب متعددة الفروع كانت لديها عقود إيجار ضخمة، وقد شهدت ارتفاعات فورية وكبيرة في أصولها ومطلوباتها معاً عند أول تطبيق. على سبيل المثال، إحدى شركات الطيران لدينا ارتفعت التزاماتها الإيجارية من حوالي صفر إلى أكثر من 500 مليون ريال بين ليلة وضحاها. وهذا أثر على نسب الرفع المالي وجميع مؤشرات التحليل المرتبطة بالمديونية، وأدى إلى إعادة تقييم شاملة من قبل البنوك وشركات التقسيط ومؤسسات التمويل التي تعاملت معها قبل عملية التحول وبعدها.

من المثير للاهتمام هنا أن سياسات الاختيار ما زالت قائمة حتى مع تطبيق المعيار، لأن إدارة الشركة يمكنها الاختيار بين اعتماد طريقة الاسترداد الكامل أو الطريقة المعدلة عند الانتقال إلى المعيار، كما يمكنها إعادة التفاوض على عقودها طويلة الأجل لتقسيمها إلى عقود أقصر لتقليل حجم الالتزامات الظاهرة في الميزانية. هذه الحلول بنفسها غير ممنوعة، لكنها تستدعي نظرًا متدبرًا من المستثمر الذي يفهم أن ظروف شركة معينة قد تكون أفضل من غيرها، وأن تعاملاتها المالية قد تكون صُممت في جزء منها بشكل تشكيلي لتلائم طريقة الإفصاح المحبذة لدى المدراء التنفيذيين، الذين ربما يحرصون في العادة على إضفاء مظهر حسن للبيانات المالية لمنشأتهم.

أنا أعتقد أن المستثمر أو المحلل الذي يريد أن يستحق لقب محترف اليوم لا بد له من الغوص بعمق في بيانات الإيجار والالتزامات الطارئة. يجب عليه ألا يقبل الأرقام المسجلة في القوائم دون المرور على شروط العقود الموقعة التي قد تحتوي بنودًا تمديدية تلقائية لا تنعكس في الالتزامات القائمة بناءً على شروط الإلغاء المسبق، بل تأخذ شكل بنود طوارئ أوالتزامات مشروطة يمكن أن تلقي بأعباء مستقبلية هائلة على الشركة دون أن تكون اليوم ظاهرة في الموازين العمومية المعلنة. هذه الدقة في التحليل قد تكون مرهقة وتتطلب وقتًا، لكنها في نظري الدرس الأهم الذي تقدمه مهنة التدقيق والمحاسبة للمستثمرين الجادين.

الأدوات المالية

من أكثر المجالات المعقدة والمؤثرة في شكل القوائم المالية هو ما يتعلق بتصنيف وقياس الأدوات المالية. فالشركة لديها خيارات في كيفية تصنيف أدواتها المالية، سواء كانت سندات مالية أو مشتقات أو استثمارات في أسهم، وهذا التصنيف يحدد طريقة القياس اللاحقة وطريقة معالجة الأرباح والخسائر الناتجة. فبعض الأدوات يجب أن تقاس بالقيمة العادلة من خلال الأرباح والخسائر، والبعض الآخر من خلال الدخل الشامل الآخر، وهناك أنواع من الأدوات تقاس بالتكلفة المطفأة، وهذا بالطبع يسمح بمرونة كبيرة تنتج عنها أشكال مختلفة جداً للأرباح المعلنة.

مثال صارخ رأيته في الممارسة يتعلق بإحدى الشركات الاستثمارية التي لم تكن تتعامل بشكل احترافي كاف في سوق الأسهم المحلية والعالمية، حيث كانت تمتلك حصصاً مالية في شركات مساهمة أخرى. بعض هذه الحصص كانت قد ارتفعت قيمتها بشكل كبير، بينما انخفض البعض الآخر، وكانت الشركة قد صنفت جزءاً منها كاستثمارات بالقيمة العادلة من خلال الأرباح والخسائر، وجزءاً آخر من خلال الدخل الشامل الآخر، وجزءاً ثالثاً بالتكلفة التاريخية. في السنة التي احتاجت فيها الشركة إلى إظهار أرباح قوية لدعم عملية إعادة هيكلة تمويلية مع البنوك، اكتشفنا أن الإدارة المالية استغلت صلاحياتها في التصنيف بإعادة تقييم بعض ما يسمى استثمارات "غير متداولة" وتحويلها إلى فئة "متاحة للبيع"، مما سمح لها وفق المعايير المطبقة حينها بإعادة تقييمها وبالتالي تضخيم أرباح السنة دون أن يعترضها أحد لأن هذه المعايير كانت تسمح بهذا النوع من الخيارات.

قراء الأعزاء، مثل هذه الحالات تذكرنا بأن ما تعلمناه في الكلية عن مبدأ الحياد والموضوعية ليس جداراً صلباً؛ بل سلسلة من الخيارات والاجتهادات البشرية التي قد تكون أعرض للاستغلال في بعض الأحيان، حتى من قبل شركات ذات سمعة كبيرة ومدققيها. وعليه، فإن أشد ما نحتاج إليه عند تقييم شركة هو تشريح بنودها المالية إلى أصغر وحداتها، ومعرفة الأساس المنطقي لكل تصنيف، ومدى تقاربها مع تصنيفات الشركات المنافسة في نفس القطاع، وأثر ذلك على نسب الربحية والنمو المستقبلي المتوقع على نطاق ثلاث أو خمس سنوات.

لا أريد أن أشعركم بالتشاؤم من هذه التفاصيل التقنية، فهي للأسف جزء لا يتجزأ من عالم المال الحقيقي، لكننا في شركة "جياشي" للمحاسبة والتدقيق نبذل جهدًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة لتعزيز التعليم المالي لعملائنا، وتشجيعهم على تشكيل عقليات تحليلية بعيدة المدى. نحن لا نعدهم بأننا سنرى كل شيء بوضوح تام، لأن المحاسبة مهنة تقوم في نهاية المطاف على التقديرات والحكم المهني، لكننا نساعدهم في تطوير حدس قوي وثقة في سيطرتهم على الأخطر من هذه الممارسات وأكثرها شيوعاً في السوق المحلي.

تأثير الأرباح والخسائر

بعد هذا الاستعراض الشامل لمختلف السياسات المحاسبية المؤثرة، أنتقل بهذا التحليل ليشمل التأثير الكلي على مؤشر الأرباح والخسائر: إذا كانت كل سياسة بسيطة تؤدي إلى اختلافات صغيرة نسبيًا، فما بالك عندما تتضافر هذه السياسات وتتفاعل مع بعضها البعض داخل الميزانية؟ عندها تصبح قصة الأرباح دالة لعدد كبير من الاختيارات المتشابكة، وقد تكون النتيجة النهائية انعكاساً أمينًا للمركز المالي، أو صورة بعيدة كل البعد عن الواقع الجوهري. من وجهة نظري المتواضعة، فإن هذه النقطة تحديداً هي التي يستغفلها أكثر المبتدئين ويغفل عنها حتى بعض الممارسين المحترفين.

أذكر جيداً حالة شركة صناعية كانت تعاني من خسائر متتالية في السنوات الأخيرة، لكنها استطاعت في عام واحد أن تحوّل خسائرها إلى أرباح جيدة عبر مجموعة من الخيارات: إعادة تقييم الأصول العقارية التي ارتفعت قيمتها، استخدام جزء من المخصصات السابقة التي لم تعد ضرورية بالعودة إلى الأرباح، تخفيض مصاريف الإهلاك بتمديد الأعمار الإنتاجية، وتغيير تقييم المخزون من LIFO إلى FIFO بعد أن انخفضت بعض أسعار المواد الخام. هذا التغير المتعدد السياسات أعطى انطباعاً بأن الإدارة قامت بعمل مذهل في التحول، لكن سرعان ما تم اكتشاف الحقيقة في السنوات التالية عندما عادت النتائج إلى الخسائر، لكن كان قد فات الأوان، حيث باع بعض المستثمرين حصصهم بأسعار مرتفعة قبل انكشاف الصورة الحقيقية.

أنا لا أقول أن هذه السياسات بحد ذاتها خاطئة أو غير مشروعة، بل هي جزء من لوحة من الخيارات المشروعة بالكامل؛ لكن المشكلة تأتي عندما تستخدم هذه الخيارات بصورة انتهازية وتحريضية وليس لغرض اقتصادي مشروع، وعندما يكون الهدف خداع السوق والمستثمرين بدلاً من تحسين الأداء الفعلي للشركة. هنا أشاطر الفقرة المعروفة في أدبيات المحاسبة التي تذهب إلى أنه "مع كل حرية في الاختيار تأتي مسؤولية أخلاقية كبيرة"؛ فهذه الحرية لا تعني بالضرورة أن كل خيار مناسب في كل الأحوال، والسياق والغرض والنوايا تلعب دوراً كبيراً في تحديد ما إذا كانت السياسة مستساغة وفعالة.

إن المستثمر الاستراتيجي الناجح هو الذي لا ينظر إلى الأرقام المجردة، بل يحاول فهم السياق الكامل: من هم الأشخاص الذين وضعوا هذه السياسات؟ ما هي دوافعهم؟ ما هي مؤشراتهم التشغيلية الحقيقية؟ هل هناك تطابق بين نمو الأرباح التشغيلية ونمو المبيعات والتوسع في حجم النشاط؟ أم أن الأرباح جاءت من بنود غير تشغيلية كإعادة التقييم أو التغير في المخصصات أو بيع الأصول التي قد تكون وأدت إلى تحقيق الأرباح الآن على حساب مستقبل الشركة؟ في الإجابة على هذه الأسئلة، نستطيع أن نقترب من الحقيقة، وهذا هو جوهر التحليل المالي الجاد والاستقصاء المهني الذي لا ينضب عطاؤه.

## خاتمة وتوصيات

خلاصة القول، إن اختيار السياسات المحاسبية ليس مجرد مسألة فنية بحتة، بل هو قرار استراتيجي يُحدث أثراً كبيراً على المركز المالي للشركة، ونتائج أعمالها، والقدرة على توقع تدفقاتها النقدية المستقبلية، وبالتالي على قرارات المستثمرين والممولين وجميع أصحاب المصلحة. إن هذا الموضوع الحيوي ينال أهمية متزايدة في الأسواق العربية مع تزايد عمليات الاستثمار الأجنبي والاندماج والاستحواذ والاهتمام بحوكمة الشركات. وقد حاولت في هذه المقالة، عبر سرد تجارب واقعية من مسيرتي العملية المتنوعة، أن أسلط الضوء على بعض الجوانب الرئيسية لهذا التأثير المعقد المستمر.

من أهم ما خرجت به من هذه التجارب هو الاقتناع بأن بناء قدرات تحليلية متقدمه لدى المستثمرين والمساهمين يعد من أهم مقومات نجاح ودعم نزاهة أعمال التحليل المالي وسلامة الأسواق المالية. أتمنى بصدق أن تحث هذه السطور الإدارة المالية في المؤسسات العربية على تبني سياسات محاسبية شفافة وواضحة، تُعزز جودة البيانات المالية، وتدعم ثقة السوق ومصداقية الإفصاح، وهذا يدخل في نطاق مسؤولية أي فعال إداري حريص على نقل صورة صادقة عن أعمال الشركة لتقييم الأداء السابق والتوقعات المستقبلية.

أود أن أختم بتوجيه الشكر لكل من عمل معنا في شركة جياشي، سواء من مدراء الشركات أو المدققين الخارجيين أو المستثمرين، لأن تجاربهم وملاحظاتهم الأولى ساهمت في صقل هذه الأفكار وتطوير خبرتي العملية خلال هذه السنوات الطويلة. إذا كنتم ترغبون في معرفة المزيد حول أفضل السبل لتشكيل سياسات محاسبية أكثر ملاءمة لأعمالكم، وإذا كان لديكم استفسارات حول معايير الإفصاح المتعلقة بهذه الأمور، ففريقنا في المكتب سعيد لتقديم المساعدة في هذا المجال، مع المحافظة الكاملة على سرية المعلومات وأسرار التعاملات التي يتم إطلاعنا عليها.

نصيحتي الأخيرة للمستثمرين العرب، وسط هذا العالم المليء بالأرقام والاحتمالات، هي أن يجعلوا من فهمهم للسياسات المحاسبية ميزة تنافسية لهم، لأن الوعي بهذه التفاصيل الدقيقة يمثل حصنهم الأول ضد المخاطر الخفية التي قد تنتج عن السياسات المحاسبية المغلوطة أو المضللة. فلنعمل جميعاً في صالح وعي مالي أعمق، وثقافة استثمارية أكثر ثقة وأماناً للاقتصاد العربي ككل.

رؤية شركة جياشي

في شركة "جياشي" للضرائب والمحاسبة، ننظر إلى الموضوع الذي تناولناه في هذا المقال كجزء أساسي لا يتجزأ من خدماتنا الاستشارية المتكاملة لعملائنا في المنطقة. نحن نؤمن بأن اختيار السياسات المحاسبية ليس مجرد إجراء تقني يُدار حسب ما تمليه المعايير المحاسبية؛ بل هو عنصر رئيسي في الحوكمة المالية والاستراتيجية المؤسسية. لذلك، ونحن نعمل مع شركتكم