Language:

معايير أخلاقيات مهنة المحاسبة: المتطلبات الأخلاقية لمزاولة العمل المحاسبي في الصين

# معايير أخلاقيات مهنة المحاسبة: المتطلبات الأخلاقية لمزاولة العمل المحاسبي في الصين بقلم: الأستاذ ليو، مستشار أول في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة

زملائي المستثمرين، عندما نسمع عبارة "أخلاقيات مهنة المحاسبة"، قد يخطر ببال الكثير منا صورة المحاسب الجالس خلف مكتبه وهو يدقق في الأرقام، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. ففي الصين، حيث يتسارع الاقتصاد ويتشابك مع الأسواق العالمية، أصبحت المعايير الأخلاقية للمحاسبين بمثابة البوصلة التي توجه السفينة في مياه قد تكون مضطربة أحيانًا. أنا الأستاذ ليو، عملت طوال 12 عامًا في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، ولديّ 14 عامًا من الخبرة في خدمات تسجيل الشركات الأجنبية، وأستطيع أن أؤكد لكم أن فهم هذه المعايير ليس رفاهية، بل ضرورة ملحة لأي مستثمر يرغب في بناء أعمال مستدامة في السوق الصيني.

لعل البعض يتساءل: لماذا هذا التركيز على الأخلاقيات الآن؟ الواقع أن الصين شهدت خلال العقدين الماضيين تطورًا هائلًا في قطاع المحاسبة والمراجعة، خاصة بعد انضمامها لمنظمة التجارة العالمية عام 2001، وما تلا ذلك من إصلاحات تشريعية ومهنية عميقة. ومع تزايد الاستثمارات الأجنبية المباشرة، برزت الحاجة الملحة إلى معايير واضحة تحكم سلوك المحاسبين وتضمن نزاهة التقارير المالية. في تجربتي المتواضعة، رأيت كيف يمكن لمعايير أخلاقية راسخة أن تصنع الفارق بين شركة تزدهر وأخرى تنهار بسبب فضيحة مالية واحدة.

## الأمانة والنزاهة المهنية

عندما نتحدث عن حجر الأساس في أخلاقيات مهنة المحاسبة في الصين، فإن الأمانة والنزاهة المهنية تحتلان المكانة الأولى بلا منازع. فالمحاسب في الثقافة الصينية ليس مجرد مُعدّ للأرقام، بل هو حارس للثقة العامة، وهذا ليس كلامًا إنشائيًا، بل واقعًا نعيشه يوميًا في مكاتبنا. لقد نصّت المادة الخامسة من "قانون المحاسبين في جمهورية الصين الشعبية" على أنه "يجب على المحاسبين الامتثال للقوانين واللوائح، والتمسك بالمبادئ المهنية، وتقديم خدمات محاسبية صادقة وموثوقة". هذه العبارة القصيرة تحمل في طياتها عبئًا أخلاقيًا كبيرًا.

في أحد المواقف التي لا أنساها، كنت أقدم استشارات لشركة استثمارية أجنبية ترغب في الاستحواذ على شركة تصنيع صينية متوسطة الحجم في مدينة تشنغدو. أثناء عملية العناية الواجبة المالية، اكتشفنا أن الشركة المستهدفة كانت تُظهر أرباحًا مبالغًا فيها من خلال الاعتراف بإيرادات لم تتحقق فعليًا، وكان هذا يتم بمعرفة محاسب الشركة الذي كان يبرر ذلك بأنه "تحسين للصورة المالية" للشركة. هنا واجهنا معضلة أخلاقية حقيقية: هل نغض الطرف مقابل إتمام الصفقة؟ أم نتمسك بمبادئنا المهنية ونبلغ المستثمر بالحقيقة؟ الحمد لله، اخترنا الخيار الثاني، وما كان نتيجة ذلك سوى تأجيل الصفقة حتى تم تنظيف البيانات المالية، وبعد عامين أصبحت الشركة أكثر نجاحًا واستقرارًا من ذي قبل، مما أكسبنا ثقة المستثمر لسنوات طويلة.

النزاهة المهنية في الصين ليست مجرد شعار تردده النقابات، بل هي منظومة متكاملة من الضوابط والعقوبات. فوفقًا لإحصائيات وزارة المالية الصينية، تم فرض غرامات وعقوبات إدارية على أكثر من 800 محاسب ومكتب محاسبة خلال الفترة ما بين 2020 و2023 بسبب مخالفات مهنية تشمل التلاعب في التقارير المالية وإخفاء المعلومات الجوهرية. هذه الأرقام ليست للترهيب بل للتوعية، فالالتزام بالأمانة يحمي صاحبها أولاً قبل أن يحمي المجتمع، وهذه قاعدة أتعامل بها مع كل عملائي.

أود أن أشير هنا إلى أن الأمانة لا تعني الإبلاغ عن كل صغيرة وكبيرة بغض النظر عن السياق، بل تعني تقديم صورة صادقة وعادلة للوضع المالي دون تضليل أو مبالغة. فالمحاسب المتميز في الصين هو الذي يوازن بين متطلبات العميل المشروعة، ومتطلبات القانون، والمصلحة العامة، وهذا ما نسميه في أدبيات المهنة "الحكمة الأخلاقية" أو "الوعي الأخلاقي العملي"، وهو أمر يحتاج إلى خبرة وبصيرة أكثر من كونه مجرد حفظ للنصوص القانونية.

## الاستقلالية وتجنب تضارب المصالح

من أكثر الجوانب حساسية في معايير الأخلاقيات المحاسبية الصينية هو مبدأ الاستقلالية، وهو ما يعني ببساطة أن المحاسب يجب أن يكون قادرًا على إبداء رأيه بحرية دون أن تؤثر عليه المصالح الشخصية أو العلاقات بأصحاب العمل أو العملاء. فقد حددت "معايير الأخلاقيات المهنية للمحاسبين في الصين" الصادرة عن وزارة المالية عام 2020 بشكل دقيق الحالات التي تعتبر تضاربًا للمصالح، وشملت ذلك العلاقات الأسرية، والمصالح المالية المباشرة وغير المباشرة، والهدايا والضيافة المبالغ فيها، وغيرها من المواقف التي قد تضع المحاسب في موقف محرج.

أتذكر تمامًا موقفًا حدث معي قبل حوالي خمس سنوات عندما كنت أتعامل مع شركة تجارية في شنغهاي كانت بصدد إعداد تقريرها المالي السنوي. اكتشفت أن ابن العم الأكبر لمالك الشركة هو مسؤول التدقيق الداخلي في البنك الذي تتعامل معه الشركة، مما خلق وضعًا شائكًا قد يثير الشكوك حول مصداقية أي تقرير نقدمه. لقد تعاملت مع هذا الموقف بحذر شديد، وطلبت من العميل توثيقًا خطيًا بأن جميع المعلومات المقدمة هي صحيحة، وأكدت على أننا سنثق في البيانات الموثقة فقط، كما أوصيت العميل بتعيين محاسب خارجي مستقل للمراجعة الداخلية. صحيح أن العميل انزعج في البداية، لكنه في النهاية أدرك أن هذا الإجراء يحميه أنا وهو معًا على المدى الطويل.

وتجدر الإشارة إلى أن الصين وأثناء انضمامها إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الفساد، عززت من متطلبات الاستقلالية في مهنة المحاسبة بشكل كبير. فقد أشارت البحوث الأكاديمية، مثل دراسة البروفيسور تشانغ وي في جامعة بكين عام 2021، إلى أن الدول التي تطبق معايير استقلالية صارمة على مهنة المحاسبة تشهد تحسنًا ملحوظًا في جودة التقارير المالية بنسبة تصل إلى 35% مقارنة بالدول التي تتساهل في هذه المعايير. لكن في المقابل، لاحظت من خلال ممارستي اليومية أن تحقيق الاستقلالية الكاملة في سياق الأعمال الصيني ليس أمرًا سهلاً، خاصة في المجتمعات التي تسودها العلاقات الوثيقة على مستوى الأعمال والشؤون الشخصية، وهنا تكمن الحاجة إلى حكمة مهنية عالية في التمييز بين العلاقات الاجتماعية المقبولة، والعلاقات التي قد تؤثر على موضوعية الحكم المهني.

هناك أيضًا جانب آخر مهم من جوانب الاستقلالية يستحق الانتباه، وهو استقلالية الذهن وليس فقط استقلالية الشكل. بمعنى أن المحاسب قد يكون مستقلاً من حيث العلاقات والمناصب، لكنه في الواقع يمارس ضغوطًا نفسية على نفسه لإرضاء العميل تجنبًا لخسارته. وأنا هنا أتذكر نصيحة تلقيتها من أستاذي القديم في أول يوم عمل لي: "إذا أردت أن تكون محاسبًا ناجحًا في الصين، فعليك أن تتعلم كيف تقول لا للعميل بطريقة مهذبة، ولكن بحزم". هذه النصيحة ظلت معي طوال حياتي المهنية، وقد أنقذتني من مشاكل كثيرة، كما أنها تُظهر جانبًا من التحديات التي نواجهها في عملنا اليومي، والتي لا تظهر في الكتب المدرسية.

## الكفاءة المهنية والعناية الواجبة

الكفاءة المهنية ليست مجرد شرط للالتحاق بمهنة المحاسبة، بل هي التزام مستمر بالتعلم وتطوير المهارات طوال الحياة المهنية. وقد نصّت المعايير الصينية على أن المحاسب يجب أن يواصل تحسين معرفته ومهاراته المهنية، وأن يؤدي مهامه بعناية واجتهاد وفقًا للمعايير المهنية المعترف بها، وأن يرفض أي عمل ليس لديه الكفاءة الكافية لأدائه. هذا المبدأ يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه عميق في تطبيقاته، خاصة في بيئة الصين المتغيرة بسرعة من حيث القوانين الضريبية والتشريعات المالية.

أزعم أن أحد أكبر التحديات التي تواجهنا نحن المحاسبين العاملين مع الشركات الأجنبية في الصين هو مواكبة التغيرات المتسارعة في النظام الضريبي الصيني. فقط في السنوات الخمس الماضية، شهدنا إصلاحات ضريبية جوهرية، بدءًا من نظام ضريبة القيمة المضافة المطور، ومرورًا بتعديلات متكررة على ضريبة الدخل للشركات، وصولاً إلى نظام الإبلاغ الضريبي الرقمي الجديد الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة. كل هذه التغييرات تتطلب منا أن نكون في حالة تعلم دائم، وإلا فإننا نخاطر بتقديم نصائح غير دقيقة تضر بمصالح عملائنا وتعرّض مصداقيتنا للخطر أمام الجهات الرقابية. أنا شخصيًا أخصص ما لا يقل عن عشر ساعات أسبوعيًا للاطلاع على المستجدات التشريعية والمهنية، وهذا ليس نوعًا من الاجتهاد الفردي، بل هو التزام مهني منصوص عليه في قواعد السلوك.

كما أود أن أبرز هنا أهمية "العناية الواجبة" كجزء من الكفاءة المهنية، وهي تعني بذل العناية المناسبة في جمع المعلومات وتحليلها، وعدم التسرع في إصدار الأحكام قبل استكمال جميع الإجراءات اللازمة. وقد كنت شاهدا ذات مرة على قضية شهيرة في مدينتي حيث قام محاسب شاب درس في إحدى جامعات التجارة في شنغهاي بإعداد تقرير مالي لشركة ناشئة خلال يومين فقط دون التحقق من صحة الفواتير المقدمة إليه، واكتشف لاحقًا أن بعضها كان مزورًا. كانت النتيجة أن المكتب تكبد غرامة مالية كبيرة، ودخل المحاسب في مشاكل قانونية استمرت لسنوات. هذه القصة الواقعية تبين أن عدم الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة يمكن أن يفتح الباب أمام مشاكل كبيرة، وأن العناية الواجبة ليست رفاهية بل واجب مهني وقانوني محدد.

يجب علينا أيضًا أن ننتبه إلى أن الكفاءة المهنية لا تعني فقط المعرفة التقنية، بل تشمل أيضًا المهارات الشخصية والتواصلية اللازمة للتعامل مع العملاء والجهات الرقابية. فالمحاسب الناجح في الصين هو الذي يعرف كيف يشرح القضايا المعقدة بطريقة مبسطة لأصحاب الأعمال، وكيف يتفاوض مع مصلحة الضرائب بشكل بناء، وكيف يبني علاقات ثقة طويلة الأمد مع العملاء دون أن يفقد استقلاليته. وهذا ما أحرص على تعليمه للخريجين الجدد الذين ينضمون إلى فريقنا في جياشي، فهو جوهر المهنة وليس ثانوياً لها.

## السرية المهنية وحماية المعلومات

في عصر البيانات الضخمة والتحول الرقمي، أصبحت السرية المهنية من أكثر الجوانب إلحاحًا في المعايير الأخلاقية لمهنة المحاسبة الصينية. فقد أولت الحكومة الصينية، خاصة بعد تطبيق "قانون الأمن السيبراني" وقانون "حماية المعلومات الشخصية"، اهتمامًا كبيرًا بحماية البيانات المالية الحساسة، وفرضت عقوبات مشددة على أي إفشاء غير مبرر لها. وفي السياق الدولي، أصبح هذا الموضوع أيضًا محل تركيز من قبل المستثمرين الأجانب الذين يخشون من سرقة المعلومات التجارية أو تسريبها.

قبل عامين، كنت أعمل مع عميل أوروبي يدير شركة فرعية في مقاطعة غوانغدونغ، حيث طلب منا تقييم الوضع المالي لشركة أخرى قبل الدخول في مشروع مشترك. خلال هذه العملية، وصلتنا معلومات مالية حساسة للغاية تتعلق باستراتيجيات التسعير والعقود طويلة الأجل مع موردين محليين. وقد تلقيت خلال فترة قصيرة استفسارًا من أحد المنافسين حول وضع الشركة، وحاول بطريقة ملتوية الحصول على بعض الأرقام التي استخدمت في التقييم. بطبيعة الحال، رفضت ذلك بشكل قاطع، لكن الموقف برمته جعلني أفكر في مدى أهمية وجود سياسات داخلية واضحة للتعامل مع المعلومات السرية، ليس فقط أثناء العمل بل أيضًا بعد انتهاء العلاقة مع العميل. ومنذ ذلك الحين، قمنا في جياشي بتحديث سياساتنا المتعلقة بالحفاظ على السرية، وتوقيع اتفاقيات عدم إفصاح مع جميع الموظفين على اختلاف مستوياتهم الوظيفية، حتى العاملين في الاستقبال.

ما يجب على المستثمرين الأجانب فهمه هنا هو أن معايير السرية الصينية ليست مجرد نسخة حرفية من المعايير الدولية، بل لها خصوصيتها المستمدة من الثقافة المؤسسية الصينية التي تضع الثقة والعلاقات الشخصية في مركز الأعمال. فالسرية في السياق الصيني ليست مجرد التزام قانوني، بل هي واجب إنساني يحافظ على "الوجه" للطرفين، ويبني علاقة ثقة متينة تمتد عبر الشركاء والقطاعات. لذلك قد تلاحظون أن المحاسب الصيني يميل أحيانًا إلى استخدام لغة حذرة جدًا في المراسلات المكتوبة أو تقاريره اللفظية، وهذا ليس غموضًا مقصودًا، بل هو حرص مفرط على عدم تجاوز حدود السرية في أي ظرف من الظروف.

ولكن السرية لا تعني الصمت المطبق أمام السلطات الرقابية، وهنا نقطة دقيقة يجب الانتباه لها. فالمحاسب الصيني مطالب بالإبلاغ عن بعض المخالفات المالية بالتوازن مع الحفاظ على سرية معلومات العميل، وهذا يخلق معادلة صعبة نوعًا ما في الممارسة العملية. ومثلما يوضح الباحث في الأخلاقيات المهنية البروفيسور لين بينغ في دراسته الأخيرة، يتوجب على المحاسب أن يكون لديه "تقييم أخلاقي دقيق" لموازنة الحقوق والواجبات المتباينة، وأن يستشير زملاءه في الحالات الحرجة بدلاً من البت فيها منفردًا. هذا ما نحرص على تطبيقه في شركتنا، حيث لدينا نظام للإحالة الداخلية على لجنة الأخلاقيات في الحالات التي يبدو أنها تنطوي على تعارض بين السرية والوضوح تجاه الجهات التنظيمية.

## الالتزام بالقوانين واللوائح ذات الصلة

الالتزام بالقوانين واللوائح يشكل في الصين حزام الأمان الفعلي لأي محاسب ممارس، فبيئة الأعمال الصينية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القواعد القانونية المحددة، وخاصة بعد سلسلة التعديلات التشريعية التي تلت ازدياد الجرائم المالية وفضائح الاختلاس في السنوات الأخيرة. والمعايير الأخلاقية هنا لا تطلب فقط عدم مخالفة القانون، بل تتجاوز ذلك إلى توخي الحذر اللازم لعدم التورط بشكل غير مباشر في أي نشاط غير قانوني، حتى لو بدا ظاهريًا أنه يتم بموافقة العميل.

أتذكر جيدًا واحدة من أصعب الحالات التي مرت علي في مسيرتي المهنية عندما طلب مني عميل قديم يرأس شركة عائلية للتصدير والاستيراد في فوجيان "تحسين" وضعه الضريبي من خلال تضخيم النفقات وإظهار إيرادات أقل من الحقيقية. كان العميل وصديقي العزيز منذ سنوات، وقد حاول أن يقنعني بأن هذا "تحسين ضريبي مقبول" في السوق المحلية، وأنه يمارسه كثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة. لقد كان الموقف مؤلماً حقاً، لأن القيمة الصداقة وكنت أرى أنني قد أفقد هذا العميل إذا رفضت بحزم. لكني رفضت وبصرامة، وشرحت له بالتفصيل العقوبات الخطيرة التي فرضتها السلطات الصينية مؤخرًا على التهرب الضريبي، بما في ذلك الغرامات الباهظة والسجن الفعلي في بعض الحالات القصوى. وخلال سنة واحدة، كنت أسعد عندما علمت أن الشركة التي لجأ إليها بدلاً مني قد تعرضت فعلاً لتحقيق ضريبي شامل كاد أن يقضي على جزء كبير من أصولها بسبب ممارساتها غير القانونية، بينما استمرت شركة عميلي القديم في النمو بطريقة صحية وفق معايير قانونية.

كما أن الإلمام بالقوانين واللوائح الصينية في هذا المجال يُعد من متطلبات الكفاءة الأساسية بالنسبة للمحاسبين الأجانب الذين يميلون إلى العمل في السوق الصيني أو يستخدمون خدمات محاسبين صينيين في عملياتهم المحلية. فعلى سبيل المثال، يحدد "قانون ضريبة الدخل للشركات" الصادر عام 2018 وصياغته المعدلة إفصاحات مالية شاملة تخص الشركات التي لديها أطراف ذات علاقة أجنبية، بما في ذلك إعداد ملفات التسعير التحويلي وفقًا لإرشادات محددة. وتشير تقارير الغرفة التجارية الأوروبية في الصين إلى أن كثيرًا من الشركات الأجنبية غير مدركة تمامًا لهذه المتطلبات الدقيقة، مما يدفعها إلى تعقيدات مع السلطات الضريبية التي قد تُحمّل هذه الشركات فوائد وغرامات إضافية بسيطة من ناحية قيمتها المطلقة ولكن كبيرة من ناحية التكلفة الإدارية والإضرار بالسمعة.

ومع ذلك، يجب التنويه إلى أن الالتزام بالقوانين لا يعني عدم القدرة على استخدام الحلول القانونية المشروعة لتقليل الالتزامات الضريبية، فهذه ممارسة مقبولة في الصين على نطاق واسع، وتسمى "التخطيط الضريبي المشروع". وقد عملنا في جياشي على مدى سنوات طويلة على مساعدة عملائنا الأجانب في بناء استراتيجيات ضريبية فعالة تعتمد على الإعفاءات والحوافز الممنوحة قانونًا للشركات في المناطق الخاصة والصناعات ذات الأولوية، دون اللجوء إلى أي ثغرات غير قانونية. في هذا السياق تحديدًا، تظهر القيمة الحقيقية للمحاسب: فهو ليس مجرد حارس أخلاقي، بل هو أيضًا شريك استراتيجي يساعد الأعمال على النمو في إطار القانون.

## الموضوعية وعدم التحيز في البيانات المالية

تتجسد الموضوعية في التزام المحاسب بإعداد البيانات المالية وتقارير المراجعة بشكل يعكس الحقيقة الاقتصادية الأساسية للشركة دون تحريف أو تزيين، حتى لو كانت النتائج لا تسرّ الإدارة أو أصحاب الأسهم في بعض الأحيان. وفي الصين، أصبح هذا المبدأ مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتطوره في الأنظمة الرقابية الذكية، حيث تستطيع السلطات الآن اكتشاف التباينات في التقارير المالية من خلال خوارزميات متقدمة تحلل الأنماط المالية عبر آلاف الشركات، وتحدد أي انحرافات قد تشير إلى وجود تلاعب أو ممارسات غير موضوعية.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، أظن أن السوق الصينية قد أصبحت بالفعل أكثر نضجًا في التعامل مع هذه المسألة، حيث بدأ المستثمرون المحليون والأجانب على حد سواء يدركون أهمية التقارير المالية الموضوعية كأساس لاتخاذ القرارات الاستثمارية السليمة. فقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة تسينغهوا ونشرت في مجلة "البحوث المحاسبية الصينية" عام 2022 أن الشركات التي تظهر بياناتها المالية درجات عالية من الموضوعية في التقييم الخارجي تتمتع بمتوسط عائد على الاستثمار أعلى بنسبة 12% مقارنة بنظيراتها الأقل موضوعية، على المدى الطويل. هذه الأرقام تهمكم كأصحاب أعمال بلا شك، فالسوق الصيني لا يكافئ الأشخاص المنتهزين للفرص السريعة بسبب أخلاقياته السامية، بل يكافئهم بسبب منطق اقتصادي صارم يعتمد على الجودة والشفافية.

لكن أود أن أعترف، بصراحة كاملة، أن الحفاظ على الموضوعية في بعض الأحيان ليس بالمهمة البسيطة عمليًا. فالمحاسب، مهما كان حياديًا، يعمل في بيئة تتضمن علاقات شخصية وعائلية وضغوطًا تنافسية معقدة، وقد يجد نفسه في موقف يضطر فيه إلى الاختيار بين مصالح صاحب العمل ومصالح الجهات الخارجية. في هذه القرارات، يصبح "الحكم المهني" الموثوق أكثر من مجرد تطبيق آلي للمعايير؛ إنه يتطلب شجاعة أخلاقية ونضجًا فكريًا لا يمكن اكتسابهما بسهولة من خلال التعليم الرسمي فقط، بل من خلال سنوات من التفاعل الواقعي مع الحالات الحقيقية ومراجعة الأخطاء من حين لآخر. أنا شخصيًا مررت بمواقف شعرت فيها أنني كنت على حافة الانزلاق نحو تقديم صورة أجمل قليلاً من الواقع لتسهيل حصول عميل على تمويل، لكنني كنت أتذكر دائمًا دورة العمل الشاملة: فالعميل الذي أحصل له على تمويل بناء على بيانات مزينة قد يجد نفسه بعد سنة يفشل في سداد التزاماته، وفي النهاية تلتصق بنا نحن المحاسبين أيضًا صورة سلبية في السوق الاجتماعية ذات العلاقات المتشابكة.

إن وجود أنظمة دعم مهنية مثل المراجعة الزوجية للتقارير المالية، والاستعانة بمراجعين خارجيين مستقلين، والجمعيات المهنية النشطة، كلها أدوات تعزز قدرة المحاسب على الحفاظ على موضوعيته، وتقلل من احتمالات الانحراف الأخلاقي في المواقف الصعبة. وقد شهدنا في الصين، خلال السنوات الأخيرة، زيادة ملحوظة في تبني هذه الأنظمة من قبل مكاتب المحاسبة الكبيرة والصغيرة على حد سواء، حيث أصبحت معايير الجودة الداخلية أكثر تشددًا مما كانت عليه قبل عقد من الزمن، وهذا تطور إيجابي في اعتقادي المتواضع يجب دعمه وتشجيعه من قبل جميع اللاعبين المهنيين في السوق.

## المسؤولية الاجتماعية والنظرة الشاملة

نصل أخيرًا إلى أحد الأبعاد الأكثر إثارة للاهتمام في معايير أخلاقيات المحاسبة الصينية، وهو البعد المتعلق بالمسؤولية الاجتماعية والنظرة الشاملة لدور المحاسب في المجتمع. فقد تجاوزت الممارسة الصينية المعاصرة النظرة التقليدية للمحاسب كمجرد "عَددّي أرقام" لتعزز دوره كشريك في التنمية الاقتصادية المستدامة من خلال توفير معلومات تمكن أصحاب القرار من اتخاذ خيارات أفضل تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والبيئية إلى جانب الأبعاد المالية البحتة.

ويتمثل إحدى تجليات هذه النظرة الشاملة في الظهور المتزايد لما يعرف "بالتقارير المتكاملة" أو "التقارير غير المالية" في السوق الصينية، حيث تطلب الجهات الرقابية من الشركات المدرجة في بورصتي شنغهاي وشنتشن تضمين معلومات حول أدائها البيئي والاجتماعي وممارسات حوكمة الشركات (ESG) إلى جانب التقارير المالية الرسمية. وقد أنشأت الحكومة الصينية إطارًا لإعداد هذه التقارير البديلة غير المالية منذ عام 2019، وأصبحت هذه الممارسات جزءًا من التقييم الشامل لأداء الشركات، خاصة تلك التي تعمل في صناعات حساسة بيئيًا مثل الطاقة والتصنيع الثقيل. يمكن للمحاسب أن يلعب دورًا بالغ الأهمية في صياغة هذه التقارير بطريقة تعكس الأداء الحقيقي للشركة في هذه المجالات، مما يسهم في تعزيز الثقة والمصداقية بين جميع الأطراف المعنية.

كذلك تعكس هذه النظرة الشاملة فكرة أن المحاسب ليس مسؤولاً أمام عميله فقط، بل أمام المجتمع بأكمله والجهات التنظيمية وسوق رأس المال بشكل عام. وهذا المبدأ يلقي بظلاله على العلاقة بين المحاسبة والتهرب الضريبي، فالممارسات غير القانونية تقلل من الموارد المتاحة للحكومة لتقديم خدمات عامة وتخلق بيئة غير عادلة بين المنافسين في السوق. وقد عاينت بنفسي كيف تعمل الشركات الأجنبية التي تستثمر في الصين ضمن هذا الإطار الأخلاقي، وكيف تسعى إلى إظهار نفسها كمواطنين صالحين في المجتمع الصيني من خلال التقيد الصارم بالمتطلبات القانونية والأخلاقية، وهذا لا يحميها قانونياً فحسب، بل يحسن من صورتها أمام العملاء المحليين والشركاء المحتملين في السوق.

المسؤولية الاجتماعية للمحاسب في الصين تعني أيضًا الإسهام الفني في تدريب وتعليم الأجيال القادمة من المحاسبين، ونشر المعرفة المهنية والأخلاقية بين الشباب. ففي إطار اتساع الصناعة المالية والاستشارات في الصين، يحتاج السوق إلى المزيد من المحاسبين ذوي المعايير الأخلاقية الرفيعة، وهذا يتطلب من ذوي الخبرات القديمة، وأنا أعتبر نفسي واحدًا من كهنة هذه المهنة نسبة إلى سنوات الخدمة الطويلة، أن نتحمل مسؤولية الإرشاد والتوجيه تجاه زملائنا الأصغر سنًا. وتقول الحكمة في تقاليدنا الثقافية إن "العمل الصالح مثل شجرة الصندل التي تعطي عطرها حتى للفأس الذي يقطعها"، وفي الحقيقة هذا هو الأفضل بكثير من كل شهادات التقدير والجوائز، أن نرى تلاميذنا يتفوقون علينا ويدفعون بالمهنة إلى آفاق أوسع وأعلى أخلاقيًا.

## الشفافية والإفصاح الکامل في المعاملات المالية

الشفافية في المعاملات المالية هي مصطلح يشمل اليوم في الصين جوانب متعددة، ليس فقط الإفصاح عن الأرقام والخانات في القوائم والتقارير المالية، بل أيضًا الإفصاح عن المنهجيات والسياسات المحاسبية التي تم اعتمادها لتحقيق تلك الأرقام، والأحكام الشخصية التي قام بها المحاسبون عند التعامل مع الأمور غير الواضحة تمامًا في المعايير المحاسبية. هذا الانفتاح في النهج، الذي يتسق مع التوجهات العالمية الحديثة في حوكمة الشركات، يسهم في تمكين المستخدمين من فهم البيانات المالية بشكل أعمق وثقة أكبر في المعلومات المقدمة من قبل المنشآت.

لقد أصبحت الشفافية في التقارير المالية مهمة بشكل خاص بالنسبة للشركات الأجنبية التي تستثمر في الصين، وذلك بسبب تعاملها مع أنظمة مختلفة في بلادها الأم من جهة، وبسبب الفروقات الدقيقة في أحكام بعض المعايير المحاسبية الصينية مقابل المعايير الدولية (IFRS) من جهة أخرى. في هذا السياق، يتعين على المحاسبين ذوي الخبرة في مجال التعامل الدولي أن يقدموا إفصاحات إضافية لأصحاب المصلحة حول الاختلافات الرئيسية وكيفية تأثيرها على الأرقام المبلغ عنها، وهذا ما نحرص على القيام به بشكل منهجي في شركة جياشي لجميع عملائنا الأجانب. فنحن نقدم مذكرة إفصاح خاصة توضح الفروقات بين معايير المحاسبة الصينية (CAS) والمعايير الدولية، وشارحين الآثار الملموسة على البيانات المالية إذا تم الانتقال من نظام إلى آخر.

لكن الشفافية لا تقتصر على البيانات المالية المنشورة فقط؛ بل تشمل أيضًا المسؤولية الأخلاقية للمحاسبين بالكشف عن أي معلومات قد تكون ذات صلة بالقرار الاستثماري للعميل بطريقة مباشرة وواضحة، حتى لو كانت تلك المعلومات لا تعجب المسؤولين. أذكر هنا أنني عندما اكتشفت ذات يوم أن الشركة التي كنت أراجع حساباتها قد بيعت جزءًا كبيرًا من معداتها الإنتاجية الأساسية إلى شركة أخرى بأسعار متدنية، وذلك بعد إعداد التقارير المالية السنوية بثلاثة أشهر دون الإفصاح عن ذلك في التقرير الذي وقعت عليه، كان ذلك يشكل بالفعل إخفاءًا جوهريًا بدوره. لقد واصلت مع هذه الشركة وكان الموقف معقدًا وأصبحت العلاقة بعد ذلك متوترة جدًا، ولكنني اكتشفت لاحقًا أن إصرارنا على التصحيح في السنوات اللاحقة أنقذ ملاك الشركة من كارثة مالية كبيرة عندما تلقت البنوك نسخًا محدثة من البيانات المالية في فترة صعبة من دورتها الائتمانية. ومرة أخرى، لم أكن مخدوعًا: فالشفافية في هذا السياق هي ببساطة شكل أعمق من أشكال حماية العميل على المدى البعيد.

معايير أخلاقيات مهنة المحاسبة: المتطلبات الأخلاقية لمزاولة العمل المحاسبي في الصين

ولعل أبرز دليل على التزام الصين بالشفافية المالية هو التطور المتواصل لنظام "الإبلاغ المالي الموحد" الذي تديره وزارة المالية، حيث يسمح للشركات والأفراد بتقديم بياناتهم المالية وفحصها إلكترونيًا، مما يولّد قاعدة بيانات ضخمة تتمكن السلطات من تحليلها وتحديد أوجه القصور أو التلاعب فيها بدقة عالية. وقد لاحظت خلال الفترة الأخيرة أن عددًا متزايدًا من الشركات الأجنبية يدركون أهمية الشفافية التامة في هذا النظام الإلكتروني، لأن أي اختلاف بين البيانات المقدمة إلكترونيًا والبيانات الورقية الداخلية يمكن أن يثير إشارات إنذار لدى السلطات الضريبية والجهات التنظيمية، مما قد يؤدي إلى تدقيق شامل ومكلف، وهذا ما ننصح عملاءنا به دائمًا: "إذا أردتم توفير المال، كونوا شفافين من البداية".

## الخاتمة والتطلعات المستقبلية

بعد هذه الجولة الماتعة في معايير أخلاقيات مهنة المحاسبة في الصين، أظننا جميعًا بحاجة إلى لحظة للتأمل واستيعاب المعاني العميقة لهذه الممارسات. لقد تعرفنا على جوانب أساسية متعددة، بدءًا من الأمانة والنزاهة، ثم الاستقلالية، الكفاءة، السرية، الالتزام القانوني، الموضوعية، المسؤولية الاجتماعية، وختامًا الشفافية. هذه المبادئ ليست مجرد بنود في أدبيات مهنية تُقرأ ولا تُطبق، بل هي ثقافة وفلسفة عمل عميقة تتغلغل في كل تفصيل من تفاصيل أداء المحاسب الصيني لواجباته اليومية.

مما يستدعي التفكير في المستقبل هو كيف ستتطور هذه المعايير مع المزيد من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في أعمال المحاسبة والمراجعة. سوف تطرح تقنية البلوكشين والعقود الذكية أسئلة جديدة حول المسؤولية الأخلاقية للمحاسب في عالم تكون فيه السجلات المالية رقمية بالكامل، ومفهوم "المصداقية" في حد ذاته قد يتغير بفضل الأنظمة الرقمية الثابتة. أنا شخصيًا أعتقد أن الدور البشري للمحاسب سيبقى أساسيًا، ليس فقط لتفسير الأرقام وتقييمها وفق السياق، بل أيضًا للتحقق من أن التكنولوجيا تستخدم بطريقة أخلاقية وعادلة، وأنها لا تعزز الممارسات التمييزية أو التجارية غير الشفافة على حساب الفئات الأضعف في السوق.

كما أود في نهاية هذه المقالة أن أشد على أيدي المستثمرين العرب الذين يخطون خطواتهم الأولى في السوق الصيني، بأن اختيار الشريك المحاسبي المناسب هو قرار لا يقل أهمية عن اختيار الموقع الجغرافي أو المنتج أو سلسلة الإمداد، بل إنه قد يكون أكثر أهمية من ذلك كله، لأنه يتعلق بجوهر سلامتكم القانونية والمالية والنفسية في هذه السوق المليئة بالفرص الوفيرة والتحديات المتناسلة. اطلبوا من محاسبيكم أن يتحدثوا لكم عن مبادئهم الأخلاقية بوضوح، فلا بأس في أن تكونوا صريحين وفضوليين، لأنه في هذا المجال تحديدًا قد يكون الطموح الشخصي للمحاسب الأفضل هو الذي يعطيكم في نهاية المطاف قيمة أخلاق